هل التمرد يصنع الشعراء..؟ قراءة في ديوان حبيق الموت لعبد المجيد الباهلي
هل التمرد
يصنع الشعراء..؟
عبد المجيد
الباهلي يرتدي قميص التمرد وبجرأة الكبار، يعرف أنه يخوض فيما يستعصى، يدين، يصرخ،
يستفز، لا يهادن، يغرد ولو كان خارج السرب. هو ليس هشّا بل لطيفا كحمل وديع،
خفيفا، نحيلا، طويلا كنخلة الدوار، يلسع ويلكع كل من حاول أن يقف ضده أو يمنعه. لا
يستمع لنصائح ولد مرزوق ولا يستسلم أبدا لوابل الحجارة ولا لصراخ الصبية، ولا
لعميمي، منتقدا حوذي عربات السوق الأسبوعي ولاسعًا بالسوط البغال التي لا تأخذ
الاتجاه الصحيح…
إنه الشاعر
البدوي الذي يحوّل الطفولة المنسية إلى بديع الجمال، موسيقى داخلية وإيقاع ملتهب
وقاس الملامح. نصوصه تقرص نصوصا، تفترش أخرى تليها اللذة بكلمات لاسعة، لاهبة،
تقطر وتقتر، تواكب، تواظب، تحارب، تعيش التمرد، تغزل وتفتل جبالا من اللهب.
مهمته هي
الكتابة لأنه ابن قرية الزاوية، وما يتبعها يبقى أثر وذكرى وشم. والشاعر ابن بيئته
ينقل ويحكي سيرته وسيرة قبيلته والآخرين بلسانه وهو صوت من لا صوت لهم.
يستهل
ديوانه الجديد "حبيق الموت"2018 بإهداء ملغم : إلى الموتى الأحياء…
قصائد موزعة
كالتالي 19 نصا، تخترقها ذات عليلة متوترة حيث الشاعر يخوض حروبه الخاصة والعامة.
قصائد متناثرة زمنيا ما بين 1998 و 2004 كإعلان لبداية الانتماء إلى شجرة الكتابة
بعد التدرج في أنشطة الجمعية الثقافية والرياضية، والسفر الخارجي للديوان من خلال
الانتماء وربط العلاقات الاجتماعية، ومن زوايا رؤيته للمشاهد المشكلة والعناصر
المنفلتة، كتابة لا تهادن المألوف، تمتص من رحيق زمن الحاضر زمنًا، ومن لغة البياض
لتبني مواضيع وتفتح أبوابا مشروعة للاختراق والاحتراق ومخاطرة دائمة للكشف عن
الحقيقة..
جاء عنوان
الديوان "حبيق الموت"، على شكل جملة إسمية، مع حذف المبتدأ وذكر الخبر
مضافا ومضافا إليه. حبيق اسم مصغر، حبيق جمع ومفرد ال "محبق" هو أصّ على
شكل اصيصات الورد، ويراد به وعاء خزفي أو بلاستيكي، تغرس وتوضع فيه النباتات
والأزهار للتزيين والاحتواء لاحتوائه على نبات برائحة زكية "رمزية
الجمال".. يستعمل حسب الاستعمال الشعبي لطرد الحشرات.. نتساءل ما العلاقة
بينه وبين الموت ؟
عناوين
نصوص الديوان جلها بصيغة جمل اسمية: بياض الروح، وحش الموت، بنة الروح،عرس
محرز، روضة الحنين، عرش المحال، جرح ذاكرة مجروحة، زاوية المهبول، قدام باب الله،
عباد الموت، كناش الموت…
تسعة عناوين
منها جاء ذكر كلمة الموت ظاهرا، جليّا، هكذا: وحش الموت، عباد الموت، كناش الموت،
مراية الموت، حبيق الموت، طير الموت، سكرات الموت…
والباقي
منها غير معلن، مضمر أو قريب في الصورة ومن المعنى: بياض الروح، روضة الحيين، قدام
باب الله، اغزيل الكفن، بياض الحفار، سكرات، حنوط.
تتخذ دلالة
وأبعاد الموت في الكثير من الأحيان السخرية والرغبة في التغيير..
لغة النصوص
ليست غريبة على الأذن، تمتح من الواقع، تحْييه وتلبسه لبوس الافتتان والرغبة في
التقشير والتفكيك. تمتاز بالكثافة الإيحائية والصورة والحمولة المشحونة بالأفعال:
تحرقني. يعافيني. يبور. يطرز. نطلع. تردم. يفسخ. مليت. يلحس. ينگل… لغة تتشبث
بالأفعال الحارقة والمحرقة التي تهدم السابق، تشتكي وتندب حظها لتدفن ماضيها/
شوقها، بمعنى أن الكتابة لدى المبدع ع المجيد الباهلي جرح، بكونها تأتي دمعه/ تردم
غيران/ مكحلة بدموعي/ راهنه الموت العاشقاني اعريس.. ص 5.
ليتخذ الحلم
منحى ومصدرًا للجرح / النزف والسؤال تلو السؤال. شوفي شوق على حد الشوف / سؤال
مرادف سؤال . ص 10.
مع مفصلة
الموت إلى أقسام وأنواع يقول : موتي تعلا تعلا/ نجوم مشردة عيون المداري/ نترقى
بطل الندى. ص7
ولأن الموتى
أحياء.. والعكس أيضا، يؤكد ذلك بسخرية غارقة في التفكه وعلامات الاستفهام ..
علا من
عاري..؟؟ الكسدة معلگة شهوه للنحيره/ تمنيت ناري/ تحرقني گبل نجف ف المطيره. ص4
أسئلة فيها
إجابة عن الموت/ دلالة الفقد والغياب والبحث عن ذاته
علامن
عاري..؟؟/ دليت عاري ف بير الحباب/ يرعى لون جناني/ يروي شهادتي ف كتاب/ يهزني ب
عيبي.. نكون وسط ذاتي عاشق للتراب. ويعوض ذلك بضوء الحلم..غارق في ضي الحلام/ نقرا
دواخلي بياض للبلاد / الموشوم ب وشام الجلاد.. ص13
في معظم
الديوان الذي بين أيدينا، يشي العنوان بما يرمز إليه النص، من حيث الزمان والمعنى
ودلالته في حياة وتجربة الشاعر، خصوصا تواريخ أشهر 7 و10 و12/من سنة 2012.
نكتشف أنه
يستغل مرجعيته الحكائية وسخريته من الواقع، أليست السخرية مقاومة ؟ أهو الانتقام
من الواقع أم من الذات أم من الآخر..؟
خليوني نشبع
موت/ ملي يفوت الفوت / فيقوني نرجم الشماته.. ص69
إنها الذات/
المشكلة، المتوترة بأحاسيس نفسية قوية، رهافة في الإحساس والانتماء القوي بلغة
موحية متشظية مختزلة، سهلة الانصياع والتموقع بخيال خصب، وصورة مقطرة بالمعنى تولد
الدهشة المنفلتة من واقع مر.
لا تخلو
قصيدته من جمالية مصوغة ومطرزة بيد البهاء خصوصا، قصائد طير الموت.. وسكرات الموت،
حيث : الذات صندوق/ ما يصنعو نجار/ المجدوب يجلب العقول/ والخاوي يردمو ف الغار/
اللي جا بالعرض والطول/ ها الورقة إيزار.. ص 78.
يقول بحكمة
: ردمت صبري ف قبري/ أمانه تتعنى ب عمري/ ملي نشد الطريق/ تعرفني وتوفي لي شبري. ص
81.
ها آنا ملي
نسحا / نتوسد گلبي وندير عقلي ف كفي/ باش نخرج مني/ نسخه تشبهني موت ص 83.
النعاس خو
الموت / كلو حلم / الفياق خو الحياة / كلُوهمْ. ص85.
تكبر حتى
تعيا / شبر يگدك. ص 87.
وبعد أن
يتساءل هل الموت ياتي مرة وحده…؟؟ وتخيل تكون بنادم وما يعرفكش الموت…؟
يختمها ب
حلف الميت حتى يدي معاه القصيده ف وذنيه.. ص 96
الولادة
سؤال / الموت جوابو ص 97
يعتمد
ويستعمل تيمة الموت في ديوانه المعنون ب*حبيق الموت* يحاوره، ويجاوره وكأن
بينهما تاريخ طويل من الحب والودّ والاتصال
والانفصال، لا تقف عند حدود بل تتجاوزها لتخلصَ بحكمة الكبار / احرص على الموت
توهب لك الحياة.
يُشكل
"الموت" تحديا كبيرا في التناول ويثير جدلا واسعا. ليس من السهل تناول
هذه التيمة كفكرة دون تأصيل وتأهيل باعتبار الموت حالة متوترة ونهاية قلق انطلوجي.
بطبيعة الحال، اختيار الموت من أصعب اللحظات التي تجعل الإنسان مثلا، يحدد اختياره
ويصطدم مع وضدّ الواقع. فالكتابة بتيمة
واحدة، هذه التجربة كرسها بعض المبدعين وأعرف صديقا قاصا( م سعيد الريحاني)، جسّدها
في "موت المؤلف"، هل هي إحالة على موت المؤلف على الورق ؟ أم استفزاز
المتلقي في لعبة الكتابة...؟
إذن، هي
نصوص ترسل ميساجات، ورسائل حول القهر والعنف المسلط والتعذيب وحتمية الواقع المر
والموت المجازي. وجد
الشاعر ع المجيد الباهلي نفسه مرات أمام (الموت) فاص أفاصْ، ليسخر منه ويعريه..
هانا مني
نسحا / نتوسد گلبي/ وندير عقلي ف كفي/ باش نخرج مني / نسخة تشبهني موت. ص
83.
حنط موتك /
تلقاها هديه/ يوم رجوعك/ ووعود بوحاطيه/ مغطيه ثابوتك/ ساترا جوعك..ص 84
إنها لعبة
الاختزال والاقتصاد التي تولد دهشة الحكمة وقول ما لا ينْقال..
تخيلْ تكون
بنادم/ وم يعرفكش الموت ص94
يرفع إصبع
الإدانة في وجه الموت كأنه يتوافق مع جدارية م درويش في ملامح المواجهة وتجلياتها.
إنها تجربة ذاتية لكنها انسانية بجراحها وندوبها .. نحيا الموت، نعيشه، نواجهه،
نلقي الضوء كما قال الشاعر على مناطق معتمة من منطقة وجودنا وصدى كينونتنا(احلف
الميت حتى يدي معاه القصيدة ف وذنيه) ص 96.
ولأن
الولادة سؤال
الموت جوابو
منطق
الأشياء هو منطق التضاد فالموت هو سؤال الحياة الحقيقية بعد الموت.
او هو البحث
عن الحقيقة الضائعة، حقيقة وجودنا وكينونتنا وكأنه يقول بلسان عزيز نيسين : "أيها
الموت تعال لاحترام، فأنا في انتظارك."


تعليقات
إرسال تعليق