باقي صورة وخيال قراءة في ديوان المرحوم خليل القضيوي الإدريسي

 



 بقايا صورة وخيال

قراءة في ديوان المرحوم خليل القضيوي الإدريسي 

 

لا ينشر الشاعر نصوصه الابداعية إلا لماما، غالبا ما يحتفظ بلغزها، وبالمسافة بينه وبين المتلقي وربما ينساها في دوامة فوضاه وانشغالاته اليومية، في ترتيب أحاسيسه ومشاعره، وتذويب حماسه. وفي نفس اللحظة، بعيدا عن خيانة الواقع، والهروب منه حين يواجهه بصدمة أو كآبة، يتنقل من كتابة الجسد إلى كتابة اللحظة، ويستشعر مرآة الداخل بحثا عن الذي يختفي ولا يظهر، عن البساطة في عمقها ليحييها ترنيمة حلوة أو بحثا عن علاج شاف. 

هل يستطيع المبدع أن يخبئ دوما، كلامه ونظمه عن الآخرين؟ 

إنه يصرخ، يستغيث، يقاوم، يسهو، يتأمل... يصدر عنه أنين المظلوم، المفجوع وجنون المعاناة والرهبة، يصرخ، يصيح و(يكتب حين لا يستطيع الصياح) ص7

بأنين الجريح وهو يصرخ : كل نهاية هي نقطة بداية. ص 9

باقي الخيال باقي الصورة/ مازال المحبة هبال. ص11

 

أحيانا، يطلق أحدهم العنان لموال أغنيته وما أن ينتهي حتى يعود ليكرر المقدمة مرة أخرى إلى نهاية المقطع ولو بطريقة جديدة وأسلوب جديد وكأنه يحاول اثبات ما يحسه للآخر بطريقته.

جاء في حديث الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي" الموال الحقيقي لا يمكن ارتجاله وإنما هو دائما من طبع شاعر عظيم مجهول رحل ليظل مواله على قيد الحياة حتى اليوم على الرغم من سطوة أجهزة البث وبطشها بكل ما أبدع شعبنا واستبداله بأشياء لا قيمة حقيقية لها.." وأشار أيضا في أخبار الأدب / "أن سرعة البديهة والحيرة باللغة هي التي تقود إلى فك القوافي الملغزة لتبحث في أشلائها عن المعنى الذي قصد إليه صائغ الموال ثم إنها التي تميز أحدا عن أحد في ممهور الموال" من (على ما روى الراوي روينا لا يعينا شفنا ولا راينا..)11موالا شعبيا اختيار وتقديم ع الرحمن الأبنودي، البستان17. أخبار الأدب المصريةالعدد777في 1/6/2008

 

"باقي الصورة .. باقي الخيال" ديوان زجل للفقيد خليل القضيوي الإدريسي، إعداد وجمع : الأستاذة نعيمة القضيوي الإدريسي. تهدي الديوان إلى روح أخيها خليل "الذي ما ماتت كلماته وإن غاب صوته، إلى أخي الراحل، الذي خطّ هذه الكلمات من روحه، وجعل من الزجل مرآة لنبضه وذكرياته..." ص 3

في المقدمة1 (بين دفاتر قديمة، ومسودات خطها القلب قبل اليد، وجدت صوتا لا يشيخ، ووجعًا لا يموت، وعشقا يتردد صداه في الزوايا المهملة. إنه صوت أخي، المبدع والأستاذ خليل القضيوي الإدريسي ، الذي وإن غاب جسده، فقد أبى صوته إلا أن يبقى.) ص5

"ربما نكتب  حين لا نستطيع الصياح." ص7

من هول الغياب وتذوق مرارة الابتعاد والغربة والحرقة " يا خليل ما فات شيء/ كل نهاية هي بداية"

في القصيدة الأولى من الديوان "باقي الخيال باقي الصورة" يفتتحها ب

الله، الله، الدايم الله./ كانوا معانا ما بقاو، /الصابر فينا عينيه بكاو./

الله الدايم الله 

باقي الصورة.. باقي الخيال/ ما زال المحبة هبالْ. ص  11

من هنا، جاء اقتراح العنوان كعتبة لنصوص مزينة بالحب، والمحبة والحيرة والحياة والحريق والغناء.. هناك خلق صورة عاكسة للديوان باقي(الصورة) مع باقي(الخيال)، الذي يحدد معنى الحياة والذاكرة والهوية ويعيد صياغتها عبر لعبة الانفلات اللغوي والتضاد، فاختيار عنوان القصيدة الأولى مخالف لعنوان الديوان.

ولأنّ الشاعر آمن بالحُبّ كتيمة في الديوان ف(لابد المحبة تزند/ باب العداوة يتسد/ يرتاح البال/ تعيش حر جوال) ص 12

كلما فتحنا باب المحبة كلما غلقنا باب العداوة وارتاح البال. تضاد اللّفظين في المعنيين يؤدي دون شك إلى باب الحرية والمحبة. ولا ينسى الشاعر أن يدعو الآخر إلى الحب والتسامح عوض البغض والكراهية، في قصيدة (كل شيء يفوت)يقول : "بكاني حال الخوت/ الغيرة والوسواس/ كل شيء يفوت، تسامحوا يا ناس"..ص14

فقلب الشاعر أبيض، ناصع، كما عودنا رحمه الله، ويدير النية وحاجته مقضية، فالحب ديدنه وميزان وكعبة حياته فبالحب عاش ويعيش "إلى القلب تعطبْ، يداوى بالحب"ص41.

يتماهى الشاعر مع قول ابن عربي المشهور في ترجمان الأشواق" لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير رهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني" ص 43/44

فالحبّ إذن، مخلص ومطهر من الآثام والعبودية والكراهية..

« حشومه، تقولوا: الحب حشومه/حشومه، ناس تعيش محرومه. إلى أن يقول:

قدْ البحر.. قد امواجه، القلب : الحب محتاجه.." ص 43

في  قصيدة (الحب صعيب) ص 44/45  يأتي النص على شكل إيقاع أغنية :

ازرب، ازرب، ب قليبك اهرب، لا طالب، لا طبيب ايفيدك في الحب.

في قصيدة (اختار يا قلبي) ص56/52 يطلب من قلبه أن يختار وأن لا يترك الخاطر محتار، فالحيرة نار، نار، نااار. والحب ماشي حرب. الحيرة نار.. بين ليلة ونهار، الزمن دوّار. اتوكّح بيار، تجف بحار/الرماد يزند نار. شحال من قلب مكوي جمار.... لا تعاند، لا تكابر، سايس حكم لقدار).

يلح الشاعر على معرفة حاله، وأحواله وعلاقته بالوجود. فالشاعر كما رأينا، يشعر بالقلق والحيرة وقلبه مملوء بالحب يداوي به الجراح. بين بحر القلب الشغوف وسره في الوحدة، بين الخالق والمخلوق تنزع روحه إلى عالم الأحلام والخيال للخلاص والتطهير.

(واه يا لخليل، الخاطر حيران.. الليل طويل،/ آه! عْيِت أنا.. ما فنات احلامي.. واه يا لخليل، في كل مكان، في كل زمان.. الحال ليه تاويل) ص57

يعاني أزمة أحباط مادي وروحي، لكنه مرتبط بغاية ما يتصورها ويستند إليها والحمل ثقيل.. يؤمنُ وهو يكشف طول معاناة خاطره قصد الوصول إلى درجة التطهير والخلاص. هناك خيال وشوق وحيرة وحب ووجد ف" كلام المتصوفة مؤول وأنه لا يقصد ظاهره، وإنما له محاملٌ تليق به" فأدونيس، مثلا، يرى" أن الشعر مثل التصوف هو كشف ما لا ينكشف ورؤية ما لا يرى وقول ما لا يقال" 

يقول الشاعر: (واه يا لخليل، عاشق، ولهان، حزين، فرحان.. الله يدير تاويل/ تخبّل الحال.. واعر لغْزيل) ص59 . هذا الإدراك الحسي للصور المتكررة، الولهانة، الحزينة في عالم الشعر وإدراك نغمة الجمال المشكل في صور خيالية، تتم فيها الاستعادة الخيالية للإدراك العقلي، الروحاني. ومشارب الروح تزدان بها الذات بالاسترجاع والعودة إلى الاشتياق ب(..غدا كيف الماضي، العمر غادي، ماشي بهْوانا لحكاية، قدْر للْبداية.. مْكتاب النهاية) ص59. يؤمن بإحساسه الداخلي أنه يصل إلى مقام النهاية، إلى قدره وكأنه يعرف،  ويدرك ما لا يُدرك من حجب وكشف. فالشاعر يجعل من المعرفة رسالة ومسؤولية، ومن الكتابة  مجالا لبناء الإنسان وتشكيل وعيه. " الحياة قصيدة، الولف مصيدة،/ نسايس الحال.." ص83. "تي العش الدافي...تِ غدا والماضي لي راح،/ تِ الحب الصافي... ت دوا كل الجراح."ص88.

 

ما يميز كتابة المرحوم خليل القضيوي الإدريسي الشعرية،  أنها تجذب المتلقي إلى مرتبة المعاني،  والرؤية الشعرية القادرة لمنح المتعة السحرية، والتأمل، وفك الرموز والاستعارات بين ما (باقي) في الصورة و(باقي) في الخيال، ولوعة العمق الشعري الصوفي.

ينطبق الأمر عليّ، أنا الجاهل لمتاريس وفتوحات النصوص الزجلية، المشكلة على المقاس بثراء شعري، وثقافة متعددة تتجلى في كتابيه الأول( بغيت نحيا بغيت نعيش)1998، والثاني (حكايتي، 2008)واختزال الثالث في (لو2017) ، وبالعمق الصوفي، المتجلي في شساعة الاتصال في الديوان الأخير(باقي الصورة باقي الخيال2025)، المشحون بغنائية تدفع إلى الدهشة والرغبة في الاختراق...

 

إننا أمام نصوص إبداعية، يظهر، أنها جمعت متفرقة، لكنها بنفس واحد، وبعناوين شديدة الاختزال والبياض والإيحاء: نور القلب، كل شيء يفوت، طالب ضيف الله، راحتي في هبالي، على حال الحال، هذ الدنيا، شوف بالقلب شوف، وااااه، ما نتاسف، حالة العاشقين، ت علمتيني نعشق، .... شاعر قادمٌ من أتون الواقع إلى عوالم عليا أخرى، عابرٌ لمحطات ثقافية وسياسية واجتماعية وأناشيد طفولية.. يستحضر التاريخ والأمكنة، والجغرافيا، والموروث الثقافي، والأسطورة والتصوف والحب والحياة والشعر والصداقة... 

ومن هنا تظهر قدرة الزجل على رصد هموم المجتمع، باعتماده لغة المعيش اليومي، وفك شفرة المضامين الزجلية الابداعية بارتباطها بالواقع، بكل صدق وأمانة، ولغته السهلة السلسة وجمالية الإيقاع الصوتي التي تجعله قريبا من القارئ المتلقي.

يقول المرحوم محمد الراشق : "أهمية الزجل في غنائيته وتفاعله، موضوع يغري بتتبع مسار ابداع استطاع أن ينغرس في وجدان الأمة المغربية التي احتضنته.. ولأنه صادق ومعبر ويفيض صورا وشاعرية  وموسيقى، فقد امتزجت فيه عوامل السرد والإنشاد، والحكي والغناء.." ص10  ويضيف أيضا في نفس الصفحة، أنه "ديوان المغاربة" وملاذهم الابداعي لأنهم وجدوا فيه مرآة صادقة يرون فيها صورهم القريبة من الأصل، لأن العمل الابداعي مهما كان صادقا فضرورة التخييل تضفي عليه مسحة أخرى لن تكون إلا ممتعة.." (أنواع الزجل بالمغرب من الغنائية إلى التفاعلية...) ج1، 2008.

 

هذه المكونات ، وأخرى تسعى كما رأينا إلى اكتشاف آثار، وأسرار الجمال الكامن في جلباب الديوان الأخير(باقي الصورة... باقي الخيال)، للراحل خليل القضيوي الإدريسي التي نستشفها في تجربته الشعرية الصادقة، وحصيلة معاناة من تجربة الحياة وصراعها وهي تطبخ على مهل وما يزيدها جمالا هو الإيقاع والصورة الشعرية للتأثير في القارئ. 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جماعة سيدي اسماعيل قلب دكالة النابض في غرفة الانعاش

قراءة في رواية /عقد المانوليا

جمالية الكتابة القصصية في حب على طريقة الكبار لعزالدين الماعزي