صورة الحب في ديوان "هل تصدق هذا الحب؟ لعزالدين الماعزي
صورة الحب في ديوان "هل تصدق
هذا الحب؟ لعز
الدين الماعزي
قراءة: د. سعيد السوقايلي
يُمثّل ديوان "هل تصدق هذا الحب؟" (الطبعة
الأولى، 2026) للشاعر المغربي عز الدين الماعزي، تجربة شعرية متميزة تنفتح على
آفاق إنسانية رحبة ومقلقة في آن معاً. وينطلق الديوان من عتبة عنوان تساؤلي إشكالي؛ فصيغة
الاستفهام "هل تصدق...؟" تخرج بالحب من إطاره الرومانسي الضيق والجاهز،
لتضعه في تشريح المساءلة الوجودية أمام واقع مادي يطغى عليه الجفاف والاغتراب؛ ويعزز
هذا الطرح التناصُّ البصريُّ على الغلاف عبر لوحة الفنان عبد الله بلعباس، لتتآزر
الريشة والكلمة في رصد حيرة الإنسان المعاصر. وستسعى هذه المقاربة إلى تفكيك المتن الشعري للديوان عبر رصد الحب
كتيمة مهيمنة تضمر داخلها مشاعر أخرى كالضياع والحزن والاغتراب والقلق ...
والملاحظ بداية أن الحب عند الماعزي يتخذ أوجها عدة، بين استحضار لحب إنساني ينظم
علاقات الناس، وحب دفين، وحب بديل كتعويض له، معتبرا إياه ذلك الملاذ الأخير ضد
قسوة العالم، وضد العزلة، وضد العقل القديم الذي يطمس المشاعر الإنسانية النبيلة؛
وهذا ما نلمسه في قصيدته "هل تصدق هذا الحب ..؟" التي توج بها عنوان
الديوان وختمها به كبيان نهائي من الشاعر حول رؤيته لجوهر الحب، حيث يصفه قائلا: "لنزرعه
إذن / في الحديقة، / ونتجه نحو الطريق / نقتفي أثره / نقطفه / ونمضي. / الجب رجل
أعمى، / عاريا يمشي نحو المجزرة... / الحب كالبحر / صديقٌ / معلق على الجدار / من
يرصدُ ..؟ من يرتبُ خطوه ..؟" ص 72؛ فهنا يمني النفس بزرع الحب الذي مات في
النفوس عله ينمو ويزهر لنقطفه مجددا. كما يتخذ هذا الحب تجسيدا آخر أفصح وأبلغ في
صور حية ممزوجة بالرغبة والنشوة والذوبان حد الكينونة أو عدمها، بل يعتبره مجرد
"شهقات" لاهتة ومشتعلة، يقول: "قالت: خذ قبلة من خدي / وامض على ما
تبقّى، / دعني أمنحكَ ما لا يمكنك تصوره / دعني أرى أثره / ... دعني أحدثتك عن
مهوى الحب / بما يكفي، / شمعة تذوب في يد الرب / كشيء يكون أو لا يكون..."ص7.
وفي نص "القمر الأسمر" يتحول الحب المثالي القديم المفقود إلى نوع من
التعويض لاحقا، حب مادي خليع، يقتفي أثره حتى مع العجائز: "وإني أحببتُ التي،
/ قضيت أماسي في انتظارها على السطح / بأولى القبلات، / .... أمضي لشاطىء البحر
حيث بقايا الطحالب / ومراقبة المؤخرات، / وفي الليل أضاجع جارتي العجوز مقابل
سجائر الماركيز / أحشوها ببعض الحشيش، / لأني أفضل فاكهتها... / لم يعد يروق لي
الأمر / لأني لم أعدْ أهتم بالذي كان / فكل النساء يتشابهن في الليل.." ص 12،
13. كما تتجلى صورة الحب في أعلى مراتبه، معتبرا نفسه عاشقا بنفحة صوفية ينحو نحو
تسامٍ ما ليترفع عن وطأة أحزان دفينة، حيث يرى مجازا ما لا يُرى حين تُغتال شمس
مسائه كما يصف ذلك في نصه "غروب: "وحدي العاشق أرى ما لا يُرى؛ / أرى
المساء / اغتيال الشمس في كبد السماء ... / كما يرى العاشق / في العشق سمة الورى /
عنوان التسامي في الكرى / شتان ما بين ما أرى ولا يًرى / لا يتكرر في الطبيعة ولا
يفترى / مثله مثل من يحيا بفرح / أو / ما يهب الطمأنينة للنفس بعد كآبة / تفترى.."
ص 20، 21.
كما ينتقل بالحب من حيزه الضيق إلى فضاء كوني شاسع محكوم بأبعاد جغرافية وهمية أو
حقيقية، فقصيدة "خلف خطوط الطول" تحيلنا فوراً على المسافة والنأي، يقول
في إحدى مقاطعها: "خلف خطوط الطول أراكَ شد مئزرا / وتمضي إلى ما لا نهاية /
في حضن الربيع والتداعي / جئتَ من هناك / فراشة تحلق، تصفق / تعلن ميلاد الريح... /
ما زلتِ أنتِ، أنتِ / تمشين الهوينى / خلف الحلم والذكرى / من يطل من النفاذة؟ غير
الضوء وهدير البحر / المفتاح أضعتيه / والعشق لم يعد يجمعنا." ص 35،36؛ حيث يتضح
أن صورة الحب عند عز الدين الماعزي مركب شعري معقد يمتزج فيه المكاني بالوجداني؛ فالحب
ليس مجرد عاطفة ساكنة، وإنما رحلة تبدأ بـالتحليق وإعلان ميلاد الكتابة، وتمر عبر
خطوط الطول والمسافات الصعبة، قبل أن تنتهي بـإضاعة مفتاح العشق الذي لم يعد يجمعه
بالحبيبة؛ إنها صورة واقعية وموجعة تعكس من خلالها القصيدة رؤية الشاعر للإنسان المعاصر،
إنسان محكوم عليه بأن يعشق عبر المسافة، وأن يواجه اغترابه وحيداً على رصيف
الانتظار والذكرى.
كما نجد الشاعر في قصيدة "أي حكمة في تناول الإسبرين" يصور الحب بوصفه طاقة شفائية تائهة أو علاجاً
مجازياً مفقوداً لا يقوى على دحر الآلام والتشققات الوجودية التي تعتري الذات
الشاعرة؛ ويبدأ الشاعر قصيدته برصد صدمات عاطفية متتالية أورثته قلباً معطوباً
وجسداً مستسلماً للحزن والوحدة؛ ويتجلى هذا البعد عندما يربط الحب بالكتابة والألم الجسدي والنفسي متسائلاً
بنبرة حزينة: "لكن الشعر بيننا قرنفل وياسمين / هذه الورقة تمد عنقها / وتمضي
/ إلى قلب مضطرب معطوب/ كأني على قلق/ أشعر بتغير قاتل ولا أتحمل الحركة /آلامي
تحتاج إلى تشريح / يتكرر الألم وترتعش الحروف..." ص44 ثم يتفاقم هذا الوجع ليتحول الحب
إلى خيبة أمل مريرة وقبلات باردة تمنع عنه تدفق التخييل ودهشة الحقيقة، معلناً
بمرارة عن تعرضه للخذلان من جهة المحبوب أو الرفيق الذي تركه يواجه ضياعه وحيداً
في منتصف الطريق: "تعبت / من قبلات الخيبة / من يد تمنع عني دهشة المجاز
[...] خذلتني يا رفيق." ص47؛ يتضح أن غياب طاقة الحب الحقيقية وانكفاء
العاطفة يفضيان بالشاعر إلى تيه كوني وعزلة تامة لا تجدي معها المهدّئات المادية،
حيث تنحدر ذاته نحو التلاشي والملل. ورغم أن الشاعر يحاول عبثاً البحث عن أمل مفقود عبر بعث عاطفة غابرة
تحاكي فرح الغرام الراحل: "كل شيء يمر سريعا / ينثر رسائل الغرام / يضحك
كساعي بريد / بما يكفي" ص48، إلا أن هذا الوميض المؤقت سرعان ما ينطفئ أمام
واقع الاغتراب الجاف، لتنتهي القصيدة بمواجهة عبثية صامتة مع المرض والغياب والزمن
المتسرب. ويغدو التساؤل الاستنكاري في ختام القصيدة حيث يقول: "أي حكمة في
تناول الإسبرين؟ / قليلاً ما يختفي الألم" ص50، بمثابة إقرار شعري قاطع بأن
الجروح العاطفية والوجودية العميقة التي يخلفها غياب الحب الصادق والخذلان لا يمكن
لقرص دواء عابر أن يبرئها أو يخفف من وطأة عذابها.
أما في قصيدة "العجوز" فتتكشّف صورة الحب بوصفها عاطفة مأزومة ومسيّجة
بزمن الشيخوخة ومشاعر الفقد والاغتراب؛ حيث يربط الشاعر الحب بتسرب الوقت والتحول
الجيلي، وتظهر الذات الشاعرة عاجزة عن استعادة وهج العشق القديم في ظل واقع رتيب
محكوم بالتكرار والغياب، وهو ما يتبدّى في حيرة الشاعر وبحثه العبثي في رصيد
ذكرياته: "يسأل الغريق عن الغائبين / لا بأس، / لم يعد هناك أبناء بل حفدة /
متى صار الجو ماطراً بالتكرارات...؟" ص58؛ ويتضح هنا أن الحب لم يعد طاقة
دافعة للحياة، بل تحول إلى محاولة يائسة لقضاء ما تبقى من العمر في مداواة الخيبات
واكتشاف قلة حيلة الذات أمام تسارع الأيام: "لرفقتك ما يكفي من الوقت /
لنكتشف قلة اليد والقبض على ما يُلهي / أنا العجوز، أستريح قرب نخلة الدوار /
والأيام تمضي..."
ص58. كما ترتد صورة الحب لتتخذ طابعاً دفاعياً حميمياً وقاسياً في آنٍ واحد، ينتهي
بالانكفاء التام على الذات هرباً من تشوهات العالم الخارجي؛ حيث يمارس الشاعر
طقساً من طقوس الحماية الوجدانية عبر تحويل صور الماضي العاطفي إلى جدارية ثابتة
على أنقاض النوافذ المكسورة، معلناً إغلاق قلبه بشكل نهائي لحماية تلك البقايا
الجميلة من حقد الآخرين: "هل يليق بي أن أضمك إلى قوسي...؟ / فقد كسّرت النافذة
/ وضعتُ قفلاً على قلبي / صوركم أعلقها على الجدار / فناموا في حقدكم." ص 59.
وتنتهي هذه الصورة العاطفية بمشهد تراجيدي في ذات المقطع، حيث يتخلى الشاعر عن
فضاءات اللقاء الإنساني ويختار الزهد والوحدة المطلقة في أحضان الطبيعة القاسية
والمحايدة، مستبدلاً حرارة العشق بنوم بارد متوسداً جفاء العالم الوجودي: "سأشرب الماء وأصعد الجبل،
أنام متوسداً الصخرة".
وتكتمل صورة الحب أيضا في قصيدته " أعثر على
معناك" بشكل معتم وذلك عبر ربط العاطفة بـالخطيئة الأولى أو الخطأ العابر
والعبث السيزيفي، حيث تغدو مشاعر العشق مجرد انبعاث لخوف قديم يتزامن مع ذبول فصول
العمر وفقدان اليقين في الوجود، ويتجلى هذا البعد التراجيدي عندما يستحيل الحب قصة
مجهولة وغريبة لا تورث الذات سوى الفزع والانتظار العبثي في فضاء كئيب يشبه المقبرة،
يقول: "جئتُ هائماً، نائماً / من نقص في الوجود / من خطأ عابر / في فصل
الخريف / يوقظُ المكامنَ على حجر شاهد / كنتُ أعلمُ أني خائفٌ / من أغربِ قصةٍ /
لورقة سقطت على صخرة سيزيف." ص64؛ إن تشبيه تجربة الحب بسقوط الورقة الخريفية على "صخرة سيزيف" يوثق
رؤية الشاعر العميقة للحب في هذا النص؛ بوصفه محاولة بشرية متكررة ومجهدة، محكوم
عليها سلفاً بالإخفاق والضياع الدائم فوق صخور الواقع البارد.
تأسيساً على ما سلف، تنبثق صورة الحب في ديوان عز
الدين الماعزي كأيقونة تعبيرية باذخة، تشكل مركباً شعرياً يتجاوز النمط الرومانسي
التقليدي ليعانق آفاقاً وجودية وقلقة؛ حيث تفجرت لغة الشاعر بجمالية آسرة تراوحت
صورها بين شهقات الشوق المتوهجة والتسامي الممانع، وبين اغتراب الجغرافيا والتعويض
المادي والانكسار على أرصفة الانتظار الباردة. كما أن هذه عاطفة الحب لديه ليست
مجرد دفق عابر، وإنما علاج مجازي تائه أمام تشققات الوجود، ممسرحاً إياها بين
شيخوخة عاجزة مأزومة وبين تحصين الذات بقفل من الصمت وملاذ من الصخور. لينتهي هذا
البوح الشعري بربط الحب بالعبث السيزيفي المجهد، معلناً إياه في بيان نهائي أنه رحلة
تراجيدية محكوم عليها بالتبدد والضياع تحت وطأة واقع كوني جاف.


تعليقات
إرسال تعليق