الدنو من المعتصم سي عبد الكريم الأزهر

 


الدنو من المعتصم ،
عبد الكريم الأزهر ولد باب الله

يحرص السي عبد الكريم الأزهر ولد باب الله الذي نعتبره بدون زهْر على خسران الكثير لكي يربح القارئ، إنه ينتهي بطمأنينة إلى شرح ما يكنفُ غموض لوحاته من ألوان وطلاسم ورموز تعكس بذلك ما تتكئ عليه وسادة ذاكرته المتعددة، المُزهرة كاسمه بتفاصيلها وعناوينها حيث تكون الخيوط والأرقام والأسهم والمثلتاث والمربعات أشبه بعشّ عنكبوت، دواخله نواقيس وأجراس ، أعين أرقام تؤثث العين بتحولات الجسد المخطط بشخوص الانتظار . يمرّ الغرباء وتتأمل الأعين المطر الهائل ولا يمضي، بل يتوقف في أفق محدد للدهشة يستدعي أكثر من إعجاب، وتفاصيل، تكرر تجربة الصورة والمشهد ضيقا شديدا للمتلقي في محاولة الاستمالة والاستفسار لن تجد لها حلا رغم المباغتة التي نحاول دائما أن نستلهمها من مبعث السؤال بحثا عن تغيير قليل ينحدر بتمهل كجندي يستعيد رؤاه، يعبث بسلاليمه يجد في الجسد ارتباكا يؤقلمه حسب المشهد وحسب البعد والتكاثف. لا أدري الباعث لاقتصاد الملامح مع الوقت تتضح الرؤية، كأنني غير موجود البتة لكي احتفظ مثلا بصلابتي، بتواجدي تستدعيني اللوحة أدرك أن حضورها أكبر مني أحدق تباعا.. لا شيء تماما.. العين / المجهول.. رفوف خزانة، قوارب وأرقام. يقول إن الفضاء الذي يشغله هو الانتظار بكونه انتقل من البيضاء إلى أزمور إلى الجديدة. هو أفق الترقب رسمه حكي بصري قراءة للعين حين تتحرك الأشخاص داخل السواد مع إدخال الرموز: ساعة مثلتاث أشكال أسهم أرقام ..تخوم تحولات الأشخاص حيث تتحول الرموز إلى أشياء متعددة، تخطيط لمسة لونية بدون أن نشعر بضيقها تدريجيا لتحاصر الألوان.. ألوان الغزارة التي تسقط تباعا كرذاذ الماء، نلاحظ حضور الماء بكثافة ، إنه أشبه كما يقول بعملية كتاب مغلق، هل هو فعلا سيرة ذاتية حيث النوافذ والأعين والقوارب، يخلص لتجربته السابقة حين يشتغل على البياض الناصع (الجير مثلا)، إنه دليل سريرته المخبأة داخله، على وجهه تظهر علامات باطنه كما يقولون في بادية دكالة. رحلته مع الفن التشكيلي ليست بالقصيرة إنها تمتد أقدم من ذلك بكثير..يقول السواد الممنطق، الجدار الأخير من خلال الموضوع الذي أوجد فيه لا أحد في الشرجم- النافذة، فقط، الجندي الذي كنته مثلا، في الغابر الظاهر، في الموت الفاضح، القاسي مثل أزقة أزمور، الأفق غامض والعتبات تتأمل الوجوه الكسولة التي تفصل الجلابيب أو التي تمتد لتضع الخيط تشبكه من اليد لليد، الرأس الذي يتدلى والذي اعتبره خفوتًا كما الريح، ريح البحر البارد والذي لا معنى له في لوحاته، إني أشعر بفرح غامر كلما رأت ذلك عيناي سعدت مثل طفل يمتلك بوصلة للتعدد و التّمدد..
تسْكنني اللوحةُ من خلال التأمل، ظلها متأرجح بين صورتها، لا يظهر أنه محايد فقط، هو ينفتح أو يفتح كوة للمتلقي بتمهل نحو حياة جديدة بتخطيطات الذين هم في مغاور الإنشداد، إلى أوجه تلبدت بفعل الرتابة والترقب ، انتظار الذي لا نعرفه، إنه يطرح السؤال بضربات ريشته، يحاور سواد الأبيض والأحمر هواء التأمل والدنو من الداخل أشبه بصوفي مدلل يخفت قلبه للاعتصام على باب الله لا ينهزم إلا كحالة حزن، يذوب في لحظة خجل يدفعه الوجل ليباغثه أفق النظر بعيدا وقريبا إلى الانتظار الذي يسكنه، السي عبد الكريم الأزهر، الرجل الذي تقوده قدماه إلى شجرة الانتساب، إلى فصيلة الإنتظاريين أبناء جودو. رؤية الانتظار لديه لا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة لكي نتسلل داخل عالم تقاسيمه متساوية بيضاء مزهويين بهول المفاجأة. أولا بكونه يجمع بين التأثيث والتستاف وترتيب أدواته وتحويلها، تتحول الأعين إلى أسماك وقوارب، وظائف تعبيرية متغيرة متحولة قدر الإمكان و توريط ذاته العليلة أينما وليت وجهك ثمة قماش، أوراق، وصباغة، واشتغال على مكونات طبيعية، وأخرى خليط. كل ما في الأمر إنه اشتغال الروح والجسد ولا يجد سواهما اثنان كما قلت في لحظة عابرة مباغثة، ولا يمكن للعين أن تتوقع الذي يجري أو الذي يكون. الرجل واقفٌ شامخ صموت، خفوت للريح والبحر كامن يطرز الروح، متعطش للإبداع مشبع بالألم حد المعاناة يعرض عبد الكريم نفسه للتأمل يستمد تفوقه من روح الجمال الذي يسكنه، يقبض المطلق وينمط المألوف السائد كي تعبر العين ما لا تراه بتمثلات ورؤى الدرويش العاشق المنوجد.. تسكنه أزمور المدينة الصغيرة الشاطئية الهادئة على المحيط الأطلسي، ليس وحده هناك الكثير يجاورونه عشقها : العزيز أحمد الأمين، العيادي، قنيو، والزوبير وآخرون، آخرون يماثلونه في الحب و الطول والقصر واللون وشكل الفرشاة ويشتركون معه في تنفس الترقب، ثيابه لا تشبه أحدا، خطوه خجول إلى درجة الانطواء لكنه نملة تفتح شهية القراءة للتوحد والمصير لثقافة مطلعة على التراث وخبرة جمالية راكمتها الأعوام . إنه استفزاز الصمت مع المكتوب، شفرة تحتاج إلى أكثر من قراءة وحفر ونحث حيث يتقاطع البصري مع الشّعري ليولد هذا الذي نتُوق إليه جميعا بشغف وإغراء لا حدّ له وفق تحولات الإنسان وظروف تحوله المستمر وأفق الانتظار والترقب الذي…يشبه بوابة تتأرجح في صدر الفنان الصادق، وصديق الجميع سي عبد الكريم الأزهر.
@à la une

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البوح وتقدير الذات . قراءة في يوميات معلم في الجبل ج ٣

هل التمرد يصنع الشعراء..؟ قراءة في ديوان حبيق الموت لعبد المجيد الباهلي

صورة الحب في ديوان "هل تصدق هذا الحب؟ لعزالدين الماعزي