بيضي الفارس السوهلي الذي صنع فمًا اصطناعيا لنعجته
(بيضي) الفارس السوهلي الذي صنع فما اصطناعيا لبيع نعجته
في
السبعين من عمره، يرتدي دائما جلبابا أزرق، سماوي باهت فوق آخر أبيض، تحته تشامير،
قبعة مخططة على رأسه، يجلس، يتجمّد من البرد ويت... ثمة من يقول تعبتْ منه الحياة
وأنهكته.
في
الماضي، كانوا يقولون إنه يحاول أن يستثمر مشروعا في البحث عمن ينير طريقه، ومشروع
حياته امرأة أصغر من سنه.
إنه
(بيضي)، أو الأبيض كما يحلو لسكان المنطقة أن ينادوه، بائع ( شنّاق) للغنم، رفقة
صديقه (هاء) هما الوحيدان المتخصصان في المهنة. السيد (بيضي) مشهور في أسواق دكالة
وفي سوق (لثْنين) بالضبط، التي يحضرها في تمام الرابعة فجرًا كل أسبوع.
مساء،
تراه دافعًا بحذر شديد نعجة بلغت من الكبر عتيّا، حتى أن بعض الماكرين يقول إن
المحترم (بيضي)، يعود بها إلى المنزل كي يُركّب لها فمًا اصطناعيا، ويتفنن في دزّ
صوفها لتسهل عملية بيعها من جديد.
رغم
عمره، فمازال أعزب، نظراته زائغة وقلبه يخفق لأقل رنين يأتيه من الجانب الأيسر،
لذلك لا يبالي وهو يتذكر الأرباح التي حصل عليها كمصّاص لدماء الفقراء، وحرارة الفلوس
التي مرتْ من بين يديه..
والكثير
من الأهوال والترانيم التي صنعها وخلق الفرجة منها وفيها.
السيد
(بيضي)، اسمٌ على مسمّى، جَمالا، ورونقًا، ومشيا في طريق لا يلينُ عنها، من
الزاويه إلى خيمة الدوار. خريطة عمره تبتدئ من بيت الجيران، لا أحد ينكره أو يدعي
أنه لا يعرفه. الرجل طيّبٌ، وغريب المعشر، وأقل ما يمكن التعريف به هو صمته المطبق
وتأمله المفرط لطول الطريق والمشهد...
يحبّ (بيضي) المشي على رجليه، ليس لأن المشي
علاج، بل لأن الطريق ما زالت متربة وقاحلة تستدعي التوسل إلى الله والدعاء على
المغفلين الذين يسمسرون في عباد الله. يفضل أن يقطعها ببلغةٍ مخضبة بالأخضر،
الباهت ولا يطيق أن يركب حمارا أو بغلا كي يصادف من يدعونه للترشح في الانتخابات، بدل
أن يساعدوه ويشتروا ما تبقى لديه من شياه
هرمة.
يقسمُ
(بيضي) بأغلظ الإيمان "والله العظيم وصيامي حرام عليا، ودين أمة محمد أينما
كانت" ولو كانت في دوار(السواهلة)، أنه وفي كل مرة يراهم ومنتصف الليل، في صفّ
واحد يلتفّون حواليه كعريس. يسرد ذلك أمام أولاد الدوار وهم يتحلقون للعب الكارطا
قرب حانوت (ضريس) ولا أحد يثق به.
يحلو
ل(سي ابراهيم) أن يقول له: إنك بدأت تخرفُ أبيْضي، في أواخر حياتك. ويضيف آخر،
إنها فصيلة النعيجات الهزيلات دوّخوه، أما (هاء)، فينصت لبعض ما يُقال، يغمز ويلْمز
الذي جنبه.."حاشا، خاصّاه مرا.. تونْسو "، وتستمر الضحكات من كل جانب
حتى لتكاد تبلغ صبّار (ولد لكَان)، وطاحونة (بلْحبيب)، وإذا أظلمت الدنيا في عينيه
يتركهم كما نبي تنكره الساكنة، ويوجه خطوه الوئيد تجاه الزاوية، أو الدوار المجاور
لعل وعسى يجد فيهم خيرا. يتابع طريقه كل يوم بهدوء واستسلام، يستفزنا بصمته، ويرفض أن يعيد ما رآه ليلة أمس
لهم.. رحلته اليومية، لا يعرف أحد أين يقضيها ومع من وكيف..
يعيش
وحيدًا، كوحيد القرن، ولقد اختار المكان فأحبّ هذه التربة ولم يتزوج.
جاء
وحيدا إلى هنا، وهكذا سيمضي، لكنه فضل الموت عند أسرته التي توجد بمكان ما قريبا
من السبت.. ولكي يودعنا، استمر يوميا في الوقوف صامتا، جنب الطريق المؤدية إلى سوق
سيدي بنور، وكأنه يودع الأمكنة التي تعرفه، وأصناف العربات التي تنحدر كالموتى
تجاه الأسواق القريبة وحيدة دونه، بجلبابه الأزرق الباهت هذه المرة، وقُبّه
المنحني جنب رأسه بعيدا عن صهد شمس الصباح التي تكوي.
لا
يدخن، ولا يشرب، بل يقنع بكأس شاي وكسرة خبز شعير أو مسمن، ويمضي في طريق لا يعرف
أحد اتجاهها.
في
آخر أيامه، لم تعد تحتمله قدماه فكان يقبع تحت شجر الكالبتوس، طريق الزاوية، لعل
أحدا يحمله معه في عربته بحثًا عن الماء خارج الدوار، الذي لم يستفد من الماء
الصالح للشرب إلا مؤخرا.
يتمتم
بكلمات من بين شفتيه المبتلتين اللتين ابيضتا وتشققتا أكثر وأكثر، عن ليلة أمس وما
شاهده في الليل. يظن البعض أنه يهذي، والبعض ينعته بالعبث والجنون، أما هو فيصدق
أنه لا أحد من الدوار يستطيع أن يسلمه ثمنا خالصا لنعجته بفمها الأدرد.
وكيف
لي أن أصدق هذه القصة الحقيقية، وأنا كنت مساء كل سوق (لثنين)، يرسلني معلم اللغة العربية خلف (بيضي) الذي يمرّ
أمام المدرسة التي كانت دون سور حجري يقيها، على كتفه كيس بلاستيكي، جارّا بحبلٍ
قصير نعجة هرمة، أسأله عن ثمنها؟
ولا
أعرف ما يحصلُ بعدها، بينهما من اتفاق.
السيد
(بيضي) في قلب النسيان، قاوم الموت ببشرة ناعمة، وبملابس أنيقة، وصوت يشبه المطرب
محمد فوزي، رحمه الله وغفر لنا وله وأسكنه فسيح جناته.


تعليقات
إرسال تعليق