مصطفى لهبيل وكرموس الزاوية

 


حد

مصطفى الهبيل وكرموس الزاويه

-1-

لن تستطيع أن تغمض عينيك، خير لك أن تتسكع في طرقات الزاوية أو تمضي في جسدك البرونزي هائما، أصوات تصدح، خلفك وشعور بالإفتتان يملأ الأرجاء، قبل قليل كان صوت ناس الغيوان :

_ماني غريب ماني براني، عايش في هذ العالم ويحي انا ويحي..

 صيف عارم يحتضنك من تلقاء نفسه، يرغمك على الأقل، الإنصات إلى غضبته وأنت مار أمام بائع النعناع، والجزار، والمقهى، والخضار، والمقهى، والسفناج، والمقهى، والبار، والشواي والحانوت والمقهى. صوت الستاتي يتكرر مع انفراط مخاوف القادمين المشدودي الرغبات قرب سطاسيون شال مقابل مقهى بلعيد ذات علامة الاستفهام الكبرى. تتجمع طاكسيات الجديدة والبيضاء وخطافة الطريق. محاذاة مقهى سطيلة، مسافرون بدجاج وسلل بيض، وقنينات الحليب وبيدوات اللبن، وجرّات من مختلف الأحجام، على الأرجح هي مملوءة سمنا وزبدة بين أطفال ونسوة يختبئن من حر الشمس، صراخ أبنائهن وصراخ الگيريسونات وبائعي البيض المسلوق والصايكوك والديطاي؛ كوكتيل من المشاهد اليومية والرؤى الغريبة المشدودة إلى العين. كل السيارات الواقفة أمام المقهى مرفوعة أعنتها إلى أعلى دليل مسحهن من قبل أطفال صغار، يمتهنون هذه الحرف الجديدة في الصيف.

"الشراف" يتوسد عصاه بطربوشه العسكري، يشبه بقايا جنرالات أمريكا اللاتينية، يراقب المكان كحارس ثكنة تحاول أن تضيع من يديه. بعين متقدة حمراء يصرخ شامتا بعبارات تفقد بوصلة الحشمة.

_ مالك اشراف.. يصرخ أحدهم خلفه مثيرا حنقه..

يقف العربي ونورالدين الضخم، ينفتان دخان سيجارة الماركيز، ثم يأتي من يمسح كرشه المدفوعة أكثرمن اللازم، قربهما يهش صاحب كروسة اللبن على الذباب، ومرة يغطس جبانية في سطل الماء الأبيض. يمر أحد السعاة لا أحد يلتفت إليه يبحثون عن زبائن الركوب، "ولد الضاوية " يصيح قرب "ولد فاطمه" بهيكله العظمي، يبحث السائق رافعا غطاء سيارته عن بيدوالماء أو شيء آخر، يريد أن يتلف الوقت في انتظار اكتمال عدد المسافرين. يقف على رأسهم وهو يصرخ ..

_زيد اسيدي ..باقي خاص واحد، خلي الناس يخدمو.. اللي غادي الجديده، الطريق..

يختلط صوته بصوت الآخر.. بلاصا وحدا الدار البيضا.. يكمل له الجملة..

_ الدار البيضا وحدا بلاصه، الدار البيضا..ويلتفت السائل الآخر ...

 _كازا الرباط، مع الوحده ايدوز..

كل من يمر أمامهم يظنونه مسافرا لا يميزون بين هذا وذاك.. يتبادلون النكت والسب واستعراض العضلات بقاموس الكلمات المبتذل.. يمر قدامهم بائع البيض المسلوق، يدفعه أحدهم ليسقط الطبق وهو يبكي.. وتتشكل مسرحية أخرى من الهزل والخيبة..

-2-

مصطفى الآن في الطريق الآخر بصلعته، هذا الصيف يسخن بحليب التعاونية الذي يطلع في الرأس، يحب مغادرة البقرة الحلوب والتيهان في الزاوية وعلى بساطها الرمادي يحصي تحركاتهم البطيئة والأفواه تلتهم الكرموس في حركة بديعة،  متكررة من ظفر اليد اليمنى وتدويرة القشرة المصغرة وتلويحها ثم تمريرها إلى الفم المفتوح كغار... مصطفى يحب أن يستعمل الموسى، يفضل أن يأكل بكل حرية وبشراهة يحسد عليها، والنهار الزوين، حين يأكل كرموس الشراف الذي يحضره من جنانات الدوار بالشواري، ويطلب من الجميع أن يأكلوا بالمجان..

صوته يكبر بسخرية تامة ليتآمر عليه الجميع وهو يشير إلى مذاق كل واحدة تشبه البنان والتفاح.. والآخر الذي يتنهد وهو يعدّ قريبا من العشرة السابعة..

_حياني على كرموس النصارى.. إيالا دارها..

يسكت، وهو يتابع بحركة عينيه الضربات المتكررة التي يسددها إلى فمه، موهبة مدهشة فعلا تثيرنا وننسى أنفسنا ونكبرونكبر، نكثر من الصلاة على النبي، وهو ينتفخ ويزيد... دون أن يتزحزح عن مكانه، بالإمكان كما قيل لي، أن تشبع البقرة وراءه ولا يشبع هو. شرعت في الابتسام  قليلا، و أنا أرى مصطفى ينتصب ثم ينفخ بكل قوته بقايا حبات الكرموس على الوجوه والفضاء الذي يحيط  به، أما هو فقد تصنع الضحكة ومر سريعا ككلب أجرب، تتسرب من فمه كلمات أشبه بصفير حاد.

ينكب مصطفى بقلق مولع بالوقوف خلفك لتجمع يثيره، يستمع و يتوارى خلف الذين يتحدثون، يخطف بسرعة البرق كأس شاي أو تلمس يداه مؤخرة امرأة وهو يصرخ حشومه، لن يحس بالأمر فهو حفيان..

يسافر هكذا، كلما أحس بالغربة إلى دوار الرواحله، في الجهة الأخرى الممتدة تجاه تجمع دوار اللحايه حيث بموازاته لم تعد الكلاب تنبح، فقط، تسمع قوقأة الدجاج الأبيض ولحى أصحاب الوقت الكثر، سلاحف من درجة ثانية وحركات عابرة لسوق بأكمله يروج للدجاج وللأشياء الممنوعة مع حمل بطاقات بريدية.

قليلون كقرب المياه وكالجبال المغطاة بإزار الثلج، يملكون فزاعات الوقت، الدخول عنوة عبر بوابات الانتخابات إلى الدوائر العليا وإمساك الأمور بحثا عن مختبئ وعكاز...

يستعد مصطفى لأكثر من عزلة، قريبا من مركز الاستثمار الفلاحي والتعاونية، يشطب الأرض من مخلفات روث البهائم وعربات الكارو التي تحضر الحليب..

هل يرغب في النجاة بجلده كلما استوحش الفضاء بظله ؟

أم يقف بكل عصبية وسط الطريق المعبد اتجاه آسفي واكادير، والسيارة تمر قربه وهو يعبر في آن واحد صارخا مزمجرا :

 _زيد..الطريق طويلة وعريضه.. معمولة ليا وليك.. بشوية ابنادم، راهم ضيقوها بالرصيف..

بلسان ناس الغيوان :

_ماني غريب ماني براني، عايش في هذ العالم.. ويحي انا ويحي..واييه..

 

 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البوح وتقدير الذات . قراءة في يوميات معلم في الجبل ج ٣

هل التمرد يصنع الشعراء..؟ قراءة في ديوان حبيق الموت لعبد المجيد الباهلي

جبل الشعر المغربي العائم، شواعر بأصابع محترقة