عزلة الكاتب ام عزلة الكتابة ؟


عزلة الكاتب أم عزلة الكتابة ؟!
 عزالدين الماعزي
 العزلة تفرض ذاتها، تتحرك ضمن ذاتية مقننة. ضروري التأقلم معها لتصبح روتينا، هي بمثابة تعسف/ منفى يومي للذوات. أتذكر كتابات حول العزلة التي شيدها الكبار ،" مائة عام من العزلة " ...أنعزل لأعرف ذاتي، حقيقتي، مقدار صبري في انتظار الذي يأتي... في ظل هذه العزلة اخترت قراءة الكتب المتراكمة في مكتبتي أو التي سبق أن قرأتها وأثارت اهتمامي. في الحقيقة لم أختر العزلة، هي التي فرضت ظروفها وأرخت شباكها علي...إذن أجد نفسي مرغما على التمطط وتدريب النفس عليها والإذعان لها. للأسف، توقف ينبوع الكتابة لدي في مقابل تفتح شهية القراءة، حينها تتحول إلى لعبة، هي مفتتح لما سيأتي بعدها... في كل يوم، أستيقظ داخل مربع سيميائي محدد الأضلاع ،مسنن الزوايا مرسوم بدقة، الجدران، النوافذ، الأبواب، الصور، السقف.. الفراش، المذياع والكتب، أول شيء وآخر شيء تقع عليه عيناي ،هي أول ما أراه، وآخر ما أجده (ينام ) قرب حضني. في المكتبة أنفض الغبار عن الكتب، أرتبها، أجالسها وأستشعر أنفاسها المتقطعة هنا وهناك : ابن قتيبة ، ابن خلدون، ،المتصوفة، سارتر ، بول أوستر، ماراكومي وموت صغير ودروس الفلسفة، ومشاريع التاريخ الجهوي والشعر والقصص القصيرة جدا، المتعددة بأسمائها ومقارباتها، والزجل بفرسانه والمجلات بمختلف أشكالها وألوانها... أسمع أنينها وأمسح دموعها، أتفقد حواشيها وهوامش ما كتبته يوما ما ، أو أعثر على ورقة منسية وأوراق نقدية مدسوسة، في الغالب نسيتها...أتأمل الصور المركونة والذكريات والرسائل والجوائز، أعيد إليها نبض الحياة بلمسها، بإحساس دفين وعناية أنعشها بسيروم الانتباه والالتفات إليها بعد غياب... هذه الكتب كانت حيوات ميتة أحييتها الآن، كانت تحتاج يدا رهيفة وعناية لازمة بإخراجها من عزلتها الدفينة وإلقاء نظرات حانية على عناوينها و أن أشد بيدها، أدربها على المشي من جديد كعجوز وحيد، و تدعمني لأتجنب السقوط، نشرع في تجديد عقد الصداقة، وإعادة الحب إلى عرشه. هذه العزلة ليست جديدة علي، مرتبطة بي ارتباط الجبل بمخيلتي، صديقي السابق...السبّاق إلى ربط صلة الصداقة وامتداد جسر العشق بيننا... أصبحت مدمنا على هذه العزلة، محاصرا بين فضاء المكتبة التي أجدها حديقة مرتبة مزينة تحتاج الى اهتمام وعناية، كل يوم أفتح كتابا أصادقه ثم ألامس تلابيب كتب أخرى...لا قيمة لحياة بدون كتب ومشاهدة أفلام كما يقول إدغار موران... انتقالا بين المطبخ والشرفة وغرفة النوم، خطوات تحت حراسة مشددة ، ومراقبة صارمة مضبوطة بالقراءة...التأمل والانتظار... 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جماعة سيدي اسماعيل قلب دكالة النابض في غرفة الانعاش

جمالية الكتابة القصصية في حب على طريقة الكبار لعزالدين الماعزي

القصة القصيرة جدا في المغرب الفرادة والتطور نموذج لغتيري والماعزي