فوس نوت، قصة قصيرة


 قصتي " فوسْ نوت" على موقع مجلة فن السرد

الرابط

https://www.fanassarde.com/2024/02/i_51.html?m=1


قصة قصيرة


عزالدين الماعزي


فوسْ نوت


1

ارتآى أن تكونَ الفرصة القادمة هي التي تحرك أنفاسه قيد اللحظة متعطشا، شارداً في محطة عابرة، فلاشات قصيرة جدا كما يزعم في القصة التي تكتبُه الآن، لحظات تشدّ أنفاس القارئ على التأمل الطويل وتحرق أعصابه وبعدها تأتي لحظة صمت قبل أن ينتهيَ النص ينفجرُ ثغر القارئ بابتسامة صغيرة في البداية وأخرى عريضة تتبعها هستيريا من الضحك، و(أرا ما عنْدك من.. ومن...) ليصبح أسيرَ اللحظة السابقة. 

هي لحظة لن تتكرر، مرور امرأةٍ بلباس أسود، في يدها حزمة أوراق، من ورائها طفلٌ يمسك طرف ثوبها، تمدّ الأوراق لرواد المقهى بسحناتٍ(فيكَورات) مكررة  وتمضي إلى كل طاولة واثقة الخطو دون كلام، تعود بعد دقائق لجمعها. وضع صديقي درهما فوق ورقتها التي تحمل ارتعاشة كتابة رديئة بخطّ اليد كالتالي :

"بسم الله الرحمن الرحيم اخواني عاونو هذ المسكينة والدري لي معاها باش ما كتب الله والله لا يضيع أجر المحسنين. (صدق الله العظيم)"

بوابة المقهى تطلّ على فصولِ الزاوية الجريحة؛ فصلٌ آخر من رواية مكتوبة تنتظر من  ينشرها.

على الكرسيّ، ظننته جالسا صامتا يحتسي قهوته الصباحية قرب الرجل الذي يفتح شاشة هاتفه يستطلعُ أخبار وفيديوهات المشاهير. كلّمته طويلا دون أن يعيرني انتباها، استدار فجأة غير بعيد عني..

- ألو،.. ياك لاباسْ، أنا في الدار دابا...

يكذبُ صديقي، الجلوس معاه حرام.. أقول له : 

- السلام عليكم.. وأمضي إلى حال سبيلي..

منذ أن ودعته شاكيا، استفسرته سابقا بسؤالٍ ماكر حتى أصبحت مثله متشكيّا. ربما عثرنا على الصورة المشتركة القلقة مرسومة بالمقلوب، في خلفية لوحة مهملة من لوحات القرية المنكوبة المهدومة..

لم أعرف ساعتها أنها منتهية الصلاحية، تلك الساعة الحائطية المتوقفة والنادل يحاول اصلاحها في كل التفاتة مني إليها ويبتسم ولا أعرف هل يواسيني وهو يكررُ أنها غير معطلة. رحت أتقلب ذات اليمين واليسار بلا تمييز وهو لا يعرف لمن يتوجه بالتحديد..؟

ومن ناحية لا تكفي أن تكونَ تحمل أصواتا مختلفة تزدري بلا مكتوب حتى تكون دائم الاحتجاج. يجوب هنا وهناك كمن لا يعرف أين يمضي، قاعدته الأولى البحث والالتفات والمغامرة، يذرعُ الشوارع لا يعرف أين يؤدي به المسير.. يكرر الحركات نفسها والسؤال ذاته في كل منعطفات الطرق..

- حكم علينا الهوى، نعشقْ سوا ونحب سوا.. 

صدق للي قال الهوى غلابْ.. 


2

لا تفارقُ حزنها بالكاد التقيتها تفرقع أصابعها ابتهاجا خلف جسر الحب، يبثون حولها نسخة مخالفة من الحكي.. الآن يمكن أن أعرف عمق تلك النقرات النابعة من سطح ميناء الساعة الحائطية الغارقة في لُزوجة الوقت الميت وانسياب  المصداقية، بي رغبة غريبةٌ أن أطرق باب النصِّ؛ النص الذي يستعصي وينفلت شاردا كفاتنة تلمع. 

- كيف أستطيع أن أسعدَ أحدهم..؟ تقول بغتة ووجهها في قساوة الجدار.

لم أتراجع أمام البوابة وتسمرت هذه المرة مراقبا فقط بتلك العينين -الله يعطيهم العمى- تلك المرأة التي تحمل جرّة الماء ولم تسلم تلك الجرة هذه المرة.. 

أصابني الرعب خاصة فيما رأيته وفعلته مما يطرح علامة استفهام.. وأفتح قوسين قريبا من العالم وألقي بنفسي داخله، أحدق بكلّ قوة أمامي.. انْجرّتِ المرأة مبللة وفرتْ من أمامي كأنها عنصر نص تافه وباعتبارها مُنجرة خارج متن النص في لحظة مختلفة فالأمر لا يعدو أن يكونَ في سياقٍ أو سباق مع الكتابة وشروطها.


3

بهذه الوضعية المريبة بكلّ من يمرّ من هنا برؤية وبزاوية محدودبة أو بتلويحة بالحاجبيْن وبتأمل تلك اللحظات المتبقية ما يقع وما سيقع بسرعة أو بتأنٍ لا يخلو له بالٌ بتاتا.. وكأنه يبيع أوراق التيرسي أو تذاكر مباريات الديربي للجمهور في السوق السوداء بلا حشمة ولا خجل..

المفروض أن ذاك الذي يقع ولو باستراق النظر لا يعرف بالضبط الحكم في سره ولا يمكن شرح نظريته لأحد لأن فيها هتك سرية المفاوضات وافساد للعقل والنظر لذلك يحبذ عدم المتابعة لكي لا يقع في المحظور..

عادة ما يرهبها صوت ارتطام أرجل طاولة أو كرسي حزين يذكرها بكيفية العثور على شخص ما يمكنه التحدث معها حول الأجواء العامة وبعدها الخاصة لأنها نقطة التحول والدخول لممارسة الشيء المهم، كما في مشهد فيلم سيء سابق. هل ستتغيّر التفاصيل مثل تغيّر الفاصلة في الجملة فربما تغيّر المعنى العام فكثيرا ما تكون نقطة النهاية هي نهاية الفكرة أو نقطة نهاية السطر... 

السببُ لا يمكن أن تنزع هموم البلدة من ذهنه، ولا كيف يكون شعور المرء عندما يكون وحيدا، منبوذا  "فلكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".


4

يحتاج الجسدُ إلى سماع موسيقى تذيب ندُف الثلج القابع داخله؛ الموسيقى ترياق الروح، صوتٌ من لا صوت له..

كلما استمتعنا إلى نغمات الموسيقى كلما ازداد الجسد نشاطا وفعالية. أحسّ بنشوة الموسيقى المنبعثة من جهاز هاتفه، وقف جافلا.. واتجه إلى..

ترامت المرأة بين رجليه مستعطفة : 

-  والله اسيدي ما ولْدي؟ اعطاوه لي (باكية).. وقالوا لي وزعي الأوراق على الزبائن واجْمعي 

الفلوس..

-  انهضي يا امرأة.. لا تخافي..

- والله اسيدي ما ولْدي هذا الولد..؟ راهمْ..

- ردي الولد او أديه إلى الخيرية، أحسن لك..!؟

تابع طريقه خارج المقهى في لحظة فارقة من نشاز الموسيقى التي تخدش فيها النفس وابتسامة تعلو محياه وقد تحلق الكثير من رواد المقهى بحبّ الاستطلاع حول المرأة التي ظلت تبكي، في حين اختفى الطفل عن الأنظار...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جماعة سيدي اسماعيل قلب دكالة النابض في غرفة الانعاش

جمالية الكتابة القصصية في حب على طريقة الكبار لعزالدين الماعزي

القصة القصيرة جدا في المغرب الفرادة والتطور نموذج لغتيري والماعزي